أحمد مصطفى المراغي
26
تفسير المراغي
إلى ذلك ، ولم يكن سببا لتفريق جماعتهم ، فكثير من المساجد المتقاربة في القاهرة وغيرها من الأمصار الأخرى لم تبن لوجه اللّه بل كان الباعث على بنائها الرياء واتباع الأهواء من جهلة الأفراد والأثرياء وعدم نصح العلماء لهم . ( 4 ) الانتظار والترقب لمن حارب اللّه ورسوله أن يجئ محاربا فيجد مكانا مرصدا له ، وقوما راصدين مستعدين للحرب معه ، وهم أولئك المنافقون الذين بنوا هذا المسجد مرصدا لذلك . ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) أي وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الخصلة التي تفوق غيرها في الحسن ، وهي الرفق بالمسلمين وتيسير صلاة الجماعة على أولى العجز والضعف ومن يحبسهم المطر منهم ، ليصدقهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وليصلى معهم ، واللّه يعلم إنهم لكاذبون في إيمانهم لأنهم ما بنوه إلا للسوأى وضرار مسجد قباء . ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) أي لا تقم في هذا المسجد للصلاة أبدا . ( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) أي إن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى اللّه بإخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى - هو أحق من غيره أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين . والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ، ولكن روى أحمد ومسلم والنسائي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة ، والآية لا تمنع إرادة كل من المسجدين ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد بنى كلا من المسجدين ووضع أساسه على التقوى من أول يوم شرع فيه ببنائه . ( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) أي فيه رجال يعمرونه بإقامة الصلاة وذكر اللّه وتسبيحه فيه بالغدو والآصال ، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما يعلق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام ، كما تطهر المتخلفون منهم من غزوة تبوك بالتوبة والصدقات ، ويتبع